ابن الجوزي
372
صيد الخاطر
نظرة لا تصلح . وعلى باب لسانه حافظا له من كلمة لا تحسن وعلى باب قلبه حماية لمسكنه من دخول الأغيار . ويستوحش من الخلق شغلا به . وهذا يكون على سيرة الروحانيين . فأما المخلّط فالكدر غالب عليه . والمحق لا يطلب إلا الأرفع قال القائل : ألا لا أحب السير إلا مصاعدا * ولا البرق إلا أن يكون يمانيا 335 - انظر إلى المقصود من العلم لا إلى صورته فحسب رأيت أكثر العلماء مشتغلين بصورة العلم دون فهم حقيقته ومقصوده . فالقارئ مشغول بالروايات ، عاكف على الشواذ يرى أن المقصود نفس التلاوة ، ولا يتلمح عظمة المتكلم ، ولا زجر القرآن ووعده وربما ظن أن حفظ القرآن يدفع عنه ، فتراه يترخص في الذنوب ، ولو فهم لعلم أن الحجة عليه أقوى ممن لم يقرأ . والمحدث يجمع الطرق ، ويحفظ الأسانيد ، ولا يتأمل مقصود المنقول ، ويرى أنه قد حفظ على الناس الأحاديث . فهو يرجو بذلك السلامة . وربما ترخص في الخطايا ظنا منه أن ما فعل في الشريعة يدفع عنه . والفقيه قد وقع له أنه بما قد عرف من الجدال الذي يقوّي به خصامه ، والمسائل التي قد عرف فيها المذهب قد حصل بما يفتي به الناس ما يرفع قدره ، ويمحو ذنبه ، فربما هجم على الخطايا ظنا منه أن ذلك يدفع عنه ، وربما لم يحفظ القرآن ولم يعرف الحديث وانهما ينهيان عن الفواحش بزجر ورفق ، وينضاف اليه مع الجهل بهما حب الرئاسة ، وايثار الغلبة في الجدل ، فتزيد قسوة قلبه ، وعلى هذا أكثر الناس ، صور العلم عندهم صناعة ، فهي تكسبهم الكبر والحماقة . وقد حكى بعض المعتبرين عن شيخ أفنى عمره في علوم كثيرة ، أنه فتن في آخر عمره بفسق أصر عليه ، وبارز اللّه به ، وكانت حاله تعطي بمضمونها أن علمي يدفع عني شر ما أنا فيه ولا يبقى له أثر . وكان كأنه قد قطع لنفسه بالنجاة ، فلا يرى عنده أثر الخوف ، ولا ندم على ذنب .